أن نضع الإسكندرية في كرة زجاجية

Amr Okasha

تدوين: هنا سليمان 

تدخل محل التذكارات وتنظر إلى رف يعج بالمجسمات: أم كلثوم مصنوعة من الطين، اهرامات صغيرة، تمثال للواجهة البحرية للإسكندرية. ثم تخطف عينيك كرة زجاجية في داخلها مجسم صغير لمدينة الإسكندرية كاملة. تمسكها وتتأمل المباني القديمة ذات الطراز الإيطالي والأزقة الضيقة والأسواق. ترتاحين لسكينة المشهد، تشعرين بشيئ من الراحة عندما تمسكين بكفيك كامل المدينة – الراحة التي تنبع من قدرتك بالسيطرة على التعقيد وتحجيم ضخامة الأمور لكي يستطيع وعيك إدراكها شيئاً فشيئاً.  ثم تهزين الكرة، تقلبيها رأساً على عقب وتضعيها على الرف: تراقبين الكريات الصغيرة تخرج من مخابئها وتستبدل الفراغ والسكينة بالزحمة والضجيج، تحوم الذرات في الفضاء وترتطم ببعضها في سلسلة حركات يبدو البعض منها منسقاً والآخر عبثي. ثم تعود لتستلقي على الأبنية والطرقات وفي قاع المدينة، ويعود الجمود.

هذا ما نحاول فعله باشتباكنا مع تاريخ الاسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر. نظرنا إلى المدينة من عرض البحر، ثم هززنا الكرة وحاولنا أن نراقب حركة الذرات ونتتبع القصص التي تغزلها في دورانها. ثم تركنا الذرات تستريح وسرحنا في خيالنا.

أما اليوم الرابع فإنه يشكّل نقطة مفصلية تربط ما بين شطري الورشة. فبعد الغوص في المصادر الأولية والتشبع بروح الزمن، جاءت اللحظة التي ننقل بها تأملاتنا إلى مرحلة الإنتاج. لا شك أن الريبة اجتاحت المجموعة: ثقل القصص والعلاقات الوهمية التي بنيناها مع الشخصيات شكّل عائقاً لخيالنا.  فكيف لنا – مجموعة عبثية من الناس تدعبس في التاريخ – أن نقلّص تاريخ المدينة وقصص شخصياتها بعرض لا يتراوح مدته عن نصف الساعة؟ تقسمنا إلى مجموعتين، واحدة تعمل على عرض مسرحي والأخرى على رسوم الكومكس.  لملم كل منّا خيوطه من نصوص ورسائل وصحف وصور، وانصرفنا إلى محاولة إنتاج شيئ ما، علّنا ننقل إليكم جزء من القصة أو نعيد إنتاج لحظة هز الكرة وانسياب الكريات في فضائها.

لكني أدرك تماما أن قيمة الورشة تكمن ليس في المنتج فحسب بل في ممارسة التأريخ في المجال العام، وهذه بعض من أوجه هذه الممارسة كما اختبرناها حتى الآن: الأولى هي في إخراج المصادر الأولية من خزانة الأرشيف الأكاديمي أو الرسمي، ووضعها بمتناول المجموعة حيث تكتسب كل وثيقة حياة خاصة بها تساهم في استلهام النقاشات والعروض. أما الثانية فهي الإنطلاق من الوثائق الأرشيفية للإشتباك الجدّي مع مفاهيم وحركات وتيارات مثل الإشتراكية والعدمية والنوستالجيا مروراً بطرق صياغة سرديات بديلة تتحدى السرديات المهيمنة. شق آخر من الـتأريخ في المجال العام هوالموضعة الجفرافية للمواد والقصص في المدينة. وهذا من خلال السير الجماعي في شوارعها وربط القصص والشخصيات بالأماكن الموجودة أو تلك التي اختفت، وبذلك نبني خيالنا على البناء المعاصر ونسقط شخصيات الماضي على الحاضر المرئي والملموس. أخيراً، أهم ما في ممارستنا هو محاولة إنتاج تاريخ شعبي حي خارج جدران مؤسسة الأكاديميا، يتحدى سلطتها ويكسر احتكارها لإنتاج المعرفة التاريخية.