الأسكندرية التي ربما لا يعرفها حتى السكندريون أنفسهم

تدوين:  هويدا احمد

ليست الأسكندرية بحرًا وشاطئ ومصطافون، الإسكنرية أناس وتاريخ ينبض بالحياة حتى لو بدا عليه الهرم وعلاه الغبار، في كل مرة أذهب فيها إلى الأسكندرية كنت أتمنى لو سرت في شوارعها وقرأت تاريخها الحي الآخذ في الإندثار، واستحضرت أرواح قاطنيها في سالف الأيام حين كانت تضم بين جناباتها بشرًا من بقاع شتى، رائحين غادين على شاطئ بحر لايعرف نقاط التفتيش ولا يمنع سكانه من العبور شمالًا وجنوبًا دون تأشيرات دخول ودون سماسرة تنقلهم خفية بعيدًا عن مراقبة السلطات فيلقوا مصيرهم غرقًا إذا كان الإنتقال نحو الشمال أو قتلًا إذا كان الإنتقال نحوالغرب، ومع حضوري لليومين الأخيرين في ورشة إحكي ياتاريخ تحققت أمنيتي.

من محطة ترام سانت كاترين حتي العودة إلى ميدان المنشية سرت في صحبة الشباب حيث قاد الجولة كاتب وأديب سكندري مدله بحب موطنه هو الأستاذ علاء خالد، بدأت الجولة من مقهى الهندي بالمنشية، ولأننا لسنا في أيام عادية فقد رافقتنا المخاوف والتحذيرات منذ اللحظة الأولى، إذ أن حملة واسعة لإعتقال الشباب على خلفية الدعوة للتظاهر يوم 25 إبريل رفضًا لإتفاقية تسليم جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية جرت في الأيام السابقة ونال السكندريون حظهم منها، في البداية أبدى البعض مخاوفه من القيام بالجولة حيث أن سير مجموعة من الشباب قد يثير غضب رجال الأمن فيمارسوا هوايتهم في اصطياد الشباب بذريعة أن التجمعات ممنوعة، ثم استقر الرأي على أننا مجموعة من أصدقاء الأستاذ علاء خالد دعانا لصحبته في جولة في شوارع الأسكندرية وزيارة مابقي من أماكن تحمل بصمات تاريخها منذ بداية القرن العشرين وحتى عقد الستينات، وهي معالم معرضة للإندثار وفق عاداتنا لمحو تاريخنا على غير ماتفعله الأمم والشعوب المجاورة، اتفقنا على الإمتناع عن التصويرحتى لانثير حفيظة كل من يرى أن التقاط الصور بدون تصريح مسبق يخل بالأمن، وفقدنا بذلك جزء مهم من تسجيل الجولة.

من محطة سانت كاترين ركبنا الترام الأصفر المتهالك وكنا بمثابة مكافاة سخية لكمسري الترام الذي لا يركبه عادة سوى أفراد لايتجاوزون عدد اصابع اليد الواحدة، نزلنا عند بداية شارع الخديوي لنسير بمحازاة شون القطن التي لازالت تحمل اثر منطقة تجارية وصناعية حيوية حين كانت مصر أهم منطقة لزراعة القطن وتوريده إلى مصانع النسيج في يوركشير، كنت أتمنى تصوير إحداها وخاصة تلك التي احتفظت بنقوش بديعة على واجهتها كما احتفظت بالناقل الخشبي الذي كان ينقل بآلات القطن إلى داخل الشونة، على الرصيف المقابل مررنا بإحد المباني ذات التصميم المعماري الإيطالي وقد تحولت إلى مدرستين إعدادية وثانوية، ثم وصلنا إلى منطقة سوق الجمعة حيث يكون التركيز -لسخرية الأقدار-على بيع الملابس المستوردة من الصين والملابس المستعملة فضلًا عن الخردة والطيور .. وغير ذلك مما يباع في تلك الأسواق، تعامل معنا الباعة بوصفنا جماعة من السائحين خاصة حين وصلنا إلى حمام المصري وهو إحد الحمامات الأربعة الباقية في الأسكندرية والحمام الوحيد المسجل كأثر لدى هيئة الآثار حيث مازالت الحمامات الثلاثة الباقية في حوزة أصحابها مما يعرضها للهدم والزوال، تاريخ الحمام مسجل في الكتاب الذي أصدرته مكتبة الأسكندرية بعنوان حمامات الإسكندرية. http://www.bibalex.org/Attachments/…

مبني الحمام متهدم حيث لم تعن هيئة الآثار بترميمه ويخشى عليه من الإندثار، لم أرى من شبابيكه المفتوحة سوى سلم داخلي، وذكر لنا الأستاذ علاء خالد أنه كان يوجد مستوقد بجوارالحمام وهو المنوط به تسخين المياه التي يستخدمها المستحمون فضلا عن استخدامه في تدميس الفول، درنا حول المبنى لنسير في الشارع المؤدي إلى مينا البصل وهي الميناء الغربي الواقع على ترعة المحمودية حيث يتم نقل البصل والغلال التي ترد من أقاليم مصر عبر ترعة المحمودية لتنقل للميناء الشرقي على المتوسط وتصدر للخارج، مايزال مبنى بورصة القطن موجودًا وإن توقف عمل البورصة، في نفس المنطقة يوجد مبنى الترسانة البحرية لتكتمل منظومة الحي.

ثم انطلقنا سيرًا نحو ساحة بكير، وهي المنطقة التي شهدت واقعة قتل النساء فيما يعرف بقضية ريا وسكينة، المنطقة كانت حيًا مرخصًا لممارسة الدعارة في فترة الحرب العالمية الأولى، وكان يقطنها العمال القادمين من خارج المدينة للعمل في معسكرات الجيش الإنجليزي أو ماعرف بالكامب، تهدم البيت الذي كانت تقطنه سكينة -التي مارست القوادة وكان ضحاياها من المومسات التي مارسن الدعارة في المنطقة، حل محل البيت حديقة، جلسنا على مقهى مجاور للبيت اسمه مقهى ريا وسكينة يوجد حوله لافتات عليها صور رياوسكينة وبقية المحكوم عليهم في القضية، القصة الحقيقية للواقعة تختلف كلية عن الأعمال الدرامية والسينمائية التي تناولتها، قرأت رؤية نقدية لهذه الأعمال ضمن أرشيف الورشة بعد الجولة، وقد تهدم قسم اللبان القديم الذي كان موجودا بالمنطقة وبني قسم جديد في مكان آخر مجاور لمنطقة الأحداث، على طول الشارع المؤدي لساحة بكير رافقتنا مبان سكنية قديمة من طابقين أو ثلاثة على الطراز العثماني تتميز باسقفها الخشبية وبلكوناتها المثلثة، هذه المباني مهددة بالزوال مع زحف الأبراج الحديثة على الشارع.

من ساحة بكير سرنا نحو حارة جميعي، حارة ضيقة على ناصيتها يوجد كشك لصانع أحذية عجوزمايزال مقيم ببيت قديم على الطراز العربي بالحارة هو بيت عائلة جميعي وهي عائلة تونسية هاجرت إلى مصر واستقرت في الإسكندرية، البيت يشكل مرجعًا معماريًا لطريقة البناء على الطراز العربي ولم يبق من اهله سوي سيدة وحيدة تسكن في الطابق العلوي وصانع الأحذية العجوز الذي يستأجر أحد غرف المنزل في الطابق الأرضي حيث كانت محل ولادته وزواجه وزواج أخيه الذي انتقل إلى مكان آخر، بجوار البيت مقام لأحد العارفين بالله.

سرنا بعد ذلك في شارع النصر الذي شهد إنشاء أول مجمعات سكنية ضخمة في الستينات رفض أهالى الأسكندرية أن يقطونها فسكنها المهجرين من أبناء مدن القناة بعد هزيمة 1967، طراز معماري جديد تحته بواكي تشبه تلك الموجودة في العتبة بالقاهرة، ينتهي شارع النصر بميدان المنشية حيث نقطة إنطلاقنا.

كل شارع في الإسكندرية يحمل بصمات تاريخ مضى لكن آثاره باقية، يؤرخ لذاكرة توشك أن تنمحي، جدران البيوت وأماكن الترفيه وأماكن العمل، علاقات الناس والوقائع اليومية لتطور الحياة الإقتصادية، كيف كنا وكيف أصبحنا، ألا يستحق ذلك أن نعتني به ونحافظ عليه وأن يراه أبناؤنا وأحفادنا لأنه فصل من فصول حياة آبائهم وأجدادهم، تسعى دول ناشئة لتأكيد أصالتها وتثبيت جذور وجودها بينما ندمر بأيدينا ذاكرتنا دون ان ندرك ان من لايعي ماضيه لن يفهم حاضره ولن يبني مستقبله.

مراجع:

https://www.facebook.com/AlexFaceNo…

http://www.maps7.com/ar/9%20ساح�…،%20قسم%20اللبان،%20الأسكندرية،%20مصر.html#.VyH6uEhRhXo

https://www.facebook.com/notes/ال…

http://massai.ahram.org.eg/News/178…

http://cairobserver.com/post/127000…