خمسين كيلو

كتابة وحكي: مصطفي محيي

نفس شاطئ البحيرة اللي وصلت له قبل ٣ أيام هو نقطة الخروج من بورسعيد.

في انتظار المركب اللي هتنقلني مع ستة مصريين.. راجل وزوجته وابنهم الرضيع الملفوف في كل الهدوم الممكنة لحمايته من برد نوفمبر.. ٣ موظفين كانوا منتدبين من القاهرة لمهمة عمل قصيرة في بورسعيد، لكن المهمة طالت بعدد أيام قصف وحصار المدينة. صحيح إن القمر ظاهر فوق البحيرة لكن بتغطيه سُحب الدخان الأسود اللي لسه خارجة من البيوت المحروقة في حي العرب.. ستارة سودا بتحمي ضهرنا وبتغطي هروبنا من المحرقة.. زي ستارة الصمت المشدودة بين ٧ أشخاص في انتظار مركب ينقلهم للبر الأبعد.. خمسين كيلومتر بتفصل بورسعيد عن المطرية.. خمسين كيلومتر بتفصل بورسعيد عن العالم.

نقطة الخروج كانت هي نفسها نقطة الدخول، لكن الرؤية مختلفة بالنسبة لي..

دقايق الهروب دايما هي الأبطأ.. عشرة، عشرين دقيقة، نص ساعة، ساعة.. مش قادر أحدد، لكنه وقت بيمر تقيل وبارد.. وقت فارغ من كل شيء إلا الانتظار والقلق.. قواعد اللعبة بتفرض الصمت على الموجودين في المكان، أي إشارة أو صوت ممكن يهدد الكل.. قاعدة جديدة بيفرضها الصمت، معندكش غير نفسك تتكلم معاها بصوت مش هيسمعه غيرك. وحتى لو مش عايز تتكلم، الكلام هيدور في راسك، هتسمع صوته في ودانك.. والمشاهد هتلاقي طريقها لعينيك.. مفيش مفر من الاستسلام المرة دي لقواعد اللعبة.

عشرين سنة من المشاهد المستمرة، الحرب الأهلية في أسبانيا، الغزو الروسي لفنلندا، مقاومة النازي في النرويج، غزة، بورسعيد.. نفس ريحة المدن المحروقة.. مزيج من غبار المباني المهدودة، دخان الحرايق، بارود المدافع، عفن الجثث.. أزيز الدبان اللي بيحوم حوالين الأموات والأحياء.. كأن العالم كله  بيتعفن.. بورسعيد مكانتش استثناء.. نفس هشاشة المدن قدام البارود.. نفس عجرفة العسكري المنتصر، الموهوم بالانتصار، المهزوم بالانتصار.

لما سألت الكولونيل دايفيد عن  سبب قصف الأحياء السكنية للمصريين في بورسعيد، كانت نظرته بتسأل “وأنت ليه مهتم بالسفلة دول؟”.. لكنه احتفظ بقدرته على الرد الدبلوماسي قدام باقي الصحفيين الأجانب وهو بيقول “جيش المملكة مش ممكن يقصف مباني سكنية.. كل مبنى تعرض للقصف كان مُستخدم لأغراض عسكرية”، وكمّل جولته مع الصحفيين في حي الأجانب المحتفظ بكامل بهائه.. شارع واحد.. شارع واحد كان بيفصلهم عن الشطر التاني للمدينة.. الشطر اللي بيسكنه المصريين.. شارع واحد محدش اهتم بعبوره.. سجّل الصحفيين تصريحات الكولونيل “١٠٠ قتيل، و٥٤٠ جريح.. معظم الضحايا من الشرطة والجيش.. جيش المملكة كان حريص على عدم التعرض للمدنيين. طبعا كان فيه بعض استثناءات محدودة حصلت عن طريق الخطأ، ودي إحنا بنحقق فيها وهنحاسب المخطئ، وإن كان لغاية دلوقتي كل التحقيقات بتثبت إن الوفيات والإصابات في صفوف المدنيين حصلت بسبب عدم التزامهم بالتعليمات.. حوادث مؤسفة طبعا لكنها تظل محدودة ونادرة”.. نفس الفخر والغرور.. أراهن إن نص وزن الكولونيل هوا.. ونصه وزنه التاني هو بدلته العسكرية.. بدلة جيش المملكة.

قبل ١٠ أيام وقف أنتوني إيدن، رئيس وزراء إنجلترا، بيتكلم عن العدوان الإنجليزي الفرنسي باعتباره مهمة سلام للفصل بين القوات الإسرائيلية والمصرية، وطبعا حماية مصالح العالم في قناة السويس.. أنهي عالم؟! العالم هنا بيقسمه شارع، على اليمين حي الأجانب وعلى الشمال حي العرب.. على اليمين الكولونيل واخد الصحفيين في جولة بيفرجهم على مدينة مصنوعة على النمط الأوروبي.. وعلى الشمال الجثث لسه مش لاقية اللي يدفنها.. حي المناخ اتهدم بالكامل، حي العرب مُحاصر بالكامل، بدون مياه.. بدون كهرباء.. بدون أطعمة.. بدون دواء.. بدون تغطية.. أيام كاملة أطباء المستشفى بيشتغلوا ساعات متواصلة بدون توقف.. وما بين كل عملية والتانية مفيش غير دقايق للاستراحة بتضيع في محاولة تعقيم أدوات الجراحة على النار بعد قطع الكهربا عن المستشفى.. فجأة الحياة ارتدت لأقصى صورها بدائية.. أد إيه المسافة قصيرة بين الحضارة والهمجية.. المسافة أقصر من عرض الشارع اللي بيفصل بين الحيّين.. المسافة أقصر من خطوة العسكري وهو بيمر فوق جثة لسه قاتلها.

المركب اللي هتنقلنا وصلت الشط، ركبنا واتحركنا.. رحلة خروج جديدة.. لكنها مش مختلفة.. الهروب عن طريق بحيرة المنزلة ميختلفش كتير عن دخول أسبانيا وقت الحرب الأهلية، ولا تفرق عن الحركة بين النرويج والسويد مع المقاومة ضد الاحتلال النازي.. وفي كل مرة بمد إيدي جوه الشنطة وأتأكد إن الكاميرا في مكانها.. صور بتتلقط وتتهرّب وتتنشر.. لكن مش متأكد إذا بتغير حاجة.. ولا متأكد إن العالم مهتم بأي حاجة بتحصل طالما بعيدة عنّه.. ولو اهتم.. هيقدر يعمل أي شيء؟!.. أسئلة بتحوم حواليّا طول الوقت وملهاش إجابة.. كان ممكن مخرجش من السويد وأعيش حياة عادية زي أي حد.. كان ممكن أكون أقرب لزوجتي اللي قررت تنهي جوازنا بعد ما رميت نفسي في كل حرب وثورة بتحصل عشان أوثقها بالصور.. معرفش كنت بحاول أوصل لإيه؟ يمكن مجرد رغبة في معايشة تجارب غير عادية.. يمكن محاولة إن إسمي يبقي مرتبط بكل الأحداث الكبرى اللي بتحصل طول ما أنا عايش.. محاولة إن الناس تفضل فاكرة اسم بير أولو أندرسون كمصور صحفي كان دايما موجود في كل حدث محوري في تاريخ العالم.. هل ده كان مهم عشان مجدي الشخصي؟ هل ده كان مهم عشان الناس لازم تعرف؟ معنديش إجابة.. أو يمكن الإجابة موجودة ومش عايز أشوفها..

لسه موصلناش للشط، لسه صوت المجداف بيضرب سطح الميّه.. وستارة الصمت مشدودة.. والرحلة مبتخلصش.