رحلة أدندان الأخيرة  

كتابة وحكي: مصطفي محيي

اختارني رئيس التحرير عشان أسافر مع أستاذ ألبير أنطون.. واحد من أهم مصوري الأهرام وقتها.. طلب مننا نسافر النوبة ونرصد المراحل الأخيرة من عملية نقل الأهالي للقرى الجديدة في كوم أمبو.. أستاذ ألبير كان سافر النوبة قبل كده ووثق بالصور كتير من تفاصيل الحياة هناك.. لكن بالنسبة لي أنا.. دي كانت أول مرة.. الحقيقة مفهمتش وقتها ليه تم اختياري أنا تحديدا.. كنت لسه في بداية حياتي العملية وفيه صحفيين كتير أقدم وأكثر مني خبرة.. لكني على أي حال كنت متحمس.. رئيس التحرير قال وقتها إنه عايزني أنا تحديدا اللي اسافر.. قال إن لازم الصحفي اللي ينقل تفاصيل اللي بيحصل يكون شاب.. وإن اللي بيتم النهاردة أكبر من مجرد نقل للأهالي من مكان للتاني.. لسه فاكر كلامه لغاية دلوقتي.. أخد نفس من السيجار واتكلم وعينيه بتلمع بحماس عن حركة التاريخ اللي مابتقفش.. والقديم اللي لازم يسيب مجال للجديد عشان يتولد ويعيش.. وقالي: يا أحمد فيه عالم كامل هيختفي لما قرى النوبة القديمة تغرق.. عالم قديم هيموت.. وزي أي وقائع موت بتصاحبه أوجاع وأحزان وحسرة.. لكن المرة دي ده بيحصل لحساب عالم جديد بيتولد.. عشان كده لازم اللي يغطي ده يكون شاب لأنه هو الوحيد اللي هيبقى شايف الجديد ومش مسجون جوه وجع الحسرة على القديم.. الأستاذ كان دايما بيتكلم بلغة فخمة وبليغة.. فحسيت بأهمية اللي هعمله في الزيارة دي.

رتبنا تفاصيل الزيارة عشان نوصل أدندان قبل تهجير أهلها.. آخر قرية نوبية على الحدود المصرية السودانية.. أخدنا القطر لغاية أسوان.. ومن هناك ركبنا الباخرة لأدندان.. في الطريق شوفت البيوت اللي إتهجر أهلها.. بيبان وشبابيك مفتوحة.. شوارع فاضية.. هامدة.. ما بيتحركش فيها غير كلاب القرية.. مراكب صيد صغيرة واقفة على الشط مربوطة بحبال في المراسى عشان ما تتحركش.. رغم إني حسيت وقتها إن النيل ساكن.. كأنه بطّل يتحرك… طريق طويل مسمعتش فيه غير صوت الريح بيمر بين البيوت ويشق طريقة بين الحواري الضيقة.. بيهز سعف النخل اللي شايل البلح اللي لسه مجاش أوان حصاده.. ولما هييجي محدش هيحصده.

فكرت في كلام الأستاذ عن التاريخ اللي مابيقفش، والعالم القديم اللي لازم يموت عشان الجديد يعيش ويستمر.. قطع أفكاري أستاذ ألبير.. وقف جنبي وسند على السور الحديد وبدأ يحكيلي عن المرات السابقة اللي زار فيها النوبة.. حكى عن الأستاذ محمد عبد الرحيم، مدرس الجغرافيا في مدرسة في قرية عنيبة.. ألبير قابله لما زار النوبة أول مرة السنة اللي فاتت.. عبد الرحيم كان عضو في الاتحاد الاشتراكي.. كان مصدق في ضرورة بنا السد.. وإننا مينفعش نستنى أكتر من كده عشان يبقى عندنا كهربا في كل مدينة وقرية.. حكى ألبير عن قعدات عبد الرحيم مع الأهالي على المصاطب قدام البيوت.. عن الاجتماعات اللي كان بينظمها في المدرسة.. عن كلامه عن القرى الجديدة اللي هتتبني ليهم.. قرى حديثة وحياة أسهل.. حكى ألبير عن عبد الرحيم لما وقف في يوم وسط الأهالي وقال “السد مش هيغرق النوبة أد ما هيدينا فرصة نبنى نوبة جديدة”.. ظهرلي من تاني كلام الأستاذ عن التاريخ اللي لازم يستمر في حركته.. ورنت في وداني أغاني السد.. سمعتني بدندن “قولنا هنبني وأدي إحنا بنينا السد العالي.. يا استعمار بنيناه بإيدينا السد العالي”.. بطّلت دندنة لما سمعت صوت صفارة المركب..

كنا وصلنا أدندان في وقت متأخر بالليل.. على المرسى العمدة كان مستنينا.. مشينا في حواري القرية اللي لسه ما نامتش.. كنا سامعين صوت البيوت اللي بتتلم وتتخزن في صناديق خشب من سكات.. مفيش كلام.. الأهالي ساكتين ورا الحيطان.. العمدة قالي: بكره كله هيبقى تمام.. الأهالي اختاروا في الاستفتا اللي اتعمل من كام شهر إنهم يروحوا كوم أمبو.. إختاروا.. فكرت إن معظم الأهالي مابيعرفوش يقروا ويكتبوا!.. العمدة كمل كلامه: بكرة الصبح بدري هتيجي البوسطة تاخد الأهالي لغاية كوم أمبو.. كله هيبقى تمام.. الليلة دي هانبات في بيت العمدة.

الصبح.. وعلى صوت صفارة البوسطة بدأ الأهالي يتجمعوا عند المرسى.. شايلين اللي قدروا يجمعوه في صناديقهم.. الستات ملخومين في إيه أخدوه معاهم وإيه ناقص.. والعيال بتلعب حوالين المرسى مستنيين البوسطة بفارغ الصبر.. وعدد من الشباب إتجمعوا وبدأوا بالراحة يدقوا على الدفوف ويغنّوا أغنية مفهمتش معناها والصوت بيعلى شوية بشوية.. والناس بتسكت عن الكلام وتضم عليهم والغنا بيعلى.. حماس بيحاول يلاقي له طريق وسط القلق والخوف من المستقبل اللي مش مضمون.. وعلى أطرف دايرة المغنيين قعدوا الأكبر سنا فوق أكوام الصناديق وبؤج الهدوم اللي إتجمعت من البيوت.. أبعد ما يكونوا عن مشهد الاحتفال أو محاولة بث الحماس.

بدأ الركب يتحرك.. مواكب الأهالي بتدخل الباخرة.. على المدخل يافطة صغيرة مكتوب عليها “أهلا وسهلا بأبناء النوبة”.. ما أظنش فيه حد أخد باله منها.. وقف قدامها إتنين ظباط جيش بلبسهم العسكري بيتأكدوا إنه كله تمام.. وبيساعدوا الأهالي يركبوا.. وموظفي الشؤون الاجتماعية بيراجعوا كل الحاجات اللي بتتشحن على ضهر المركب.. مش هناخد حيوانات كبيرة.. البقر لأ.. هتتعوضوا عنه بعد ما توصلوا.. ماشي ماشي المعيز ممكن تدخل.. إيه يابني اللي أنت واخده معاك ده.. كلب إيه اللي عايز تركّبه.. مفيش مكان.. سيبه على الشط.. صناديق الهدوم والعفش هنا على جنب فوق بعض.. يلا ياجماعة عايزين نتحرك.. الكل ركب وبدأت الرحلة.

بهدوء إتحركت البوسطة بعد كام صفارة تنبيه إننا هنتحرك.. وقف ظابط الجيش الأعلى رتبه ومسح المرسى بعينيه.. إتأكد إن محدش باقي.. إلتفت وقالي: شعب النوبة النهاردة بيعمل تضحية عظيمة.. بيثبت بيها إننا كلنا شعب واحد.. متحد ورا السد.. كنت عايز أقوله إننا كلنا هنبقى قدام السد وإن مفيش حاجة هتبقى وراه غير البحيرة.. بس سكت.. كمّل الظابط: الشعب كل يوم  بيثب لنا إنه القائد والمعلم.. سيبت الظابط ورجعت للأهالي.. دايرة الأغاني اللي بتحاول تفتح طريق للحماس بتتراجع وتنحسر شوية بشوية.. مفضلش غير إتنين بيغنوا لوحدهم وبعدها سكتوا.. كام ساعة عدت وبعدين بدأت دايرة جديدة من مكان جديد على ضهر المركب.. المرة دي ستات وبنات.. والدايرة وسعت من تاني.. طول الرحلة اللي أخدت يوم بليلة كانت الدوايرة بتكبر وتصغر.. وما بين كل مرة والتانية كان فيه ساعات من السكات.

وصلنا كوم أمبو.. نزل الأهالي من البوسطة وركبوا أتوبيساتهم.. الصناديق والحيوانات إتحمّلت في عربيات نقل.. طريق طويل في قلب الصحرا لغاية أدندان الجديدة.. نزل الأهالي.. بيبصوا حواليهم.. شمس.. شمس.. شمس.. نورها بينعكس الرمل المرة دي بدل النيل.. البيوت نتوءات صخرية صغيرة وسط مساحات الفراغ اللي مش عمران.. صمت ما بيقطعوش غير صوت موظفي الشؤون الاجتماعية وهما بيندهوا على اسم كل عيلة عشان تستلم بيتها.. حام الأهالي حوالين البيوت المقفولة.. وقت طويل عدى لغاية لما أول واحد فتح باب أول بيت ودخل.. ووراه عيلته.. والباب إتقفل.