المؤرّخ المصري خالد فهمي بعد عودته إلي القاهرة: ثمة شيء يحدث في مصر الآن!

محمد شعير، نشر في أخبار الأدب يوم 30 – 10 – 2010

المؤرخ خالد فهمي قرر العودة إلي القاهرة بعد 20 عاما قضاها متنقلا ما بين الدراسة والتدريس في أوروبا وامريكا ، حتي وصل خلال هذه السنوات إلي منصب أستاذ مساعد تاريخ الشرق الأوسط بجامعة نيويورك. عاد بعد أن تلقي عرضا من الجامعة الأمريكية لرئاسة قسم التاريخ بها. وافق علي العرض ..

ابتسم عندما سألته: هل ستندم علي قرار العودة؟

أجاب: “كل شيء مطروح، لكن أنا لم أستقل من جامعة نيويورك، حصلت فقط علي “إجازة” لمدة عامين ولكن لديّ امل في إحدث ” تغيير” أو المشاركة في عملية التغيير، “الجامعة الأمريكية تمر الآن بمرحلة مهمة جدا، ولي أصدقاء ، وثمة مساعدات من أساتذة مؤسسات مثل الدكتور عماد ابو غازي، وصابر عرب وكلها اشياء تشجع علي البقاء”.
ولكن كيف جاء قرار العودة؟

يوضح :” لم أكن مخططا لذلك، كما أنني لم أترك مصر ذهنيا طوال هذه الفترة، وعندما قدمت لي الجامعة الأمريكية عرضها قلت إنها لحظة مناسبة للعودة ، لأن ثمة شيئاً يحدث في مصر، وهي لحظة لا يمكن أن تتأتي إلا مرة واحدة في العمر وأريد أن أكون مؤثرا أكثر لو كنت في بلدي ؟”

أسأله وما خططك لتطوير القسم؟

يجيب:” أريد أن أنمّي العلاقة بين القسم ومجال البحث التاريخي في مصر بشكل عام، سواء من خلال إقامة علاقات مع أقسام التاريخ في جامعات مصرية أخري، أو من خلال نشاطات مع المجلس الأعلي للثقافة ودار الكتب، وهذا هو الأهم لأنني سآخذ الطلبة لنعمل داخل الدار، فأنا أتردد عليها منذ 20 عاما ولم أجد استاذا يأخذ طلبته ليعلمهم فيها”.

اسأله: هل الدار وافقت؟

يجيب: رحب الدكتور صابر عرب ، والدكتور عبدالواحد النبوي مدير الدار الجديد وعقدنا اجتماعات لكيفية تنفيذها، ونناقش كيفية أن تتحول الدار من “مستودع للوثائق” إلي “ورشة عمل” ، ورشة تتفاعل مع المادة.
يوضح خالد ما يريد أن يقوم به بالتفصيل: “ما أفكر فيه، انني كنت من قبل أقوم بتصوير الوثائق واذهب بها إلي الطلبة لندرسها، ولكن هنا سآخذ الطلبة لكي ينفّذوا مشاريع بحثهم بأنفسهم، سيكون لديهم فرصة للاختيار ومقارنة الوثائق. مثلاً، وليس مهماً أن نبدأ بأسئلة كبري مثل: من المسئول عن النكسة والثغرة، وإنما من أسئلة بسيطة ، سأطرح عليهم سؤالا عن تاريخ منطقة الأزبكية، لا يوجد سوي كتاب واحد “رجوع الأزبكية” للكيلاني هو المرجع الوحيد، ولكن يمكن من خلال الوثائق المتوافرة أن نخرج بأعداد لا نهائية من الأفكار. مثلا من الذي جفف بحيرة الأزبكية؟ وما تأثير ذلك علي المنطقة؟ يمكن أن نعمل علي تاريخ شوارع مهمة مثل شبرا، بورسعيد، الهرم ..وفي رأيي لو تم ذلك سيعرف الناس تاريخ المدينة ، وهو ما سيؤثر في علاقتهم بها، وهناك أيضا مشروعات بحثية أخري، يمكن أن نعمل علي فكرة مثلا تاريخ المساواة بين الرجل والمرأة، النظرة التقليدية تشير دائما إلي قاسم أمين، ولكن ربما تتضمن المادة الوثائقية المتوافرة أفكارا أخري تغيّر النظرة التقليدية، يمكن أن يعمل أحد الطلبة علي تاريخ المقاهي في مصر . كيف نشأت ؟ ومن هم المترددون عليها ، وكيف كانت مكانا للمتعة والنصب والدعارة؟ كل ذلك يمكن أن نحصل عليه من دراسة محاضر البوليس في القرن التاسع عشر “.

يضيف خالد:” لو درست تاريخ المقاهي ستدرس جوانب متعددة من تاريخ تطور هذه المدينة، وهو علم ليس جديدا ، بل هناك في الغرب ما يعرف بتاريخ ال (public space) أو ” الفضاء العام المفتوح” وهو أمر نحتقره لأسباب كثيرة جزء منها أمني، وجزء منها تأثر بنمط المدينة الخليجية التي تخاف لدواع أمنية وطقسية من التجمعات البشرية”..

المشكلة الأمنية هي أبرز ما يعوق الباحثين في العمل بدار الكتب. يوضح خالد : “ربما لهذا السبب قلت أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة، هناك قوة المجتمع الضاغطة التي تقابلها قوة الأمن، ومن تجربتي في دار الوثائق أعداد كبيرة من التصاريح للباحثين كانت تتم الموافقة عليها، الاستثناء هو الرفض ، الآن يحدث العكس، ما يتم السماح به هو الاستثناء”. خالد أبدي تخوّفه من أن تتحول دار الوثائق من مراكز ل” إنتاج” المعرفة إلي مراكز ” تخزين” للمعرفة وخاصة مع الإحساس بأنّ هناك أبعاداً ” أمنية” تحاول الحجر علي الباحثين وتوجيه الانتاج العلمي توجهات معينة.

أسأله: هل هو خوف من البحث؟

يجيب: هو خوف لمجرد الخوف ، الأصل الآن هو الخوف. الموظفة في دار الكتب تسأل تلميذاً لي يتردد علي دار الكتب: انت جاي ليه هنا؟ بتكتب إيه؟ هي ليست ” أمن” ولكنها تسأل بمنطق أمني. الناس تتطوع من أنفسها، وهذا يؤدي إلي خلل كبير في المجتمع، خلل يصيب الأمن نفسه، لأن المجتمع في النهاية سينهار وسيؤثر ذلك علي علاقاته الاجتماعية، ولعل تداعيات العلاقة بين المسلمين والأقباط تنهار لهذا السبب. ويمكن أن يكسب الأمن علي المدي القصير، ولكن سيخسر الجميع علي المدي الطويل.

يشرح صاحب “كل رجال الباشا” فكرته: “عندما لا أتيح وثائق الحروب المصرية في 48 ، 67، وأغلق علي هذه الوثائق فإن الباحثين يلجأون إلي كتابة تاريخ حروبنا من وثائق بريطانية وأمريكية وإسرائيلية، عدم إتاحة الوثائق بداعي الأمن يضر بالأمن نفسه”.

غياب الوئائق هو الذي أدي إلي غياب التأريخ لهذه الفترة؟

يجيب خالد: ” هذه أزمة، ولكنها ليست وحدها السبب في غياب التأريخ لمصر الحديثة، وإنما مدرسة التاريخ المصرية التي أسّسها محمد شفيق غربال علي أصول صارمة جدا، الزمن تعداها، ومن خصائص هذه المدرسة الموضوعية ، فمن أجل أن تكون موضوعيا يجب ألا يكون لك موقف سياسي، ولهذا يعمل المؤرخون علي الفترات البعيدة.. لأن العمل علي فترات تاريخية قريبة أو حديثة يعني أن تكون لهم آراء في الموضوع الذي يتناولونه.. ولهذا ينبغي أن ينشأ جيل جديد من المؤرّخين يشتبك مع القضايا المعاصرة.. وهذا ما أحاول أن أفعله في الجامعة الأمريكية”.

-2-

في كل رجال الباشا كان هناك اهتمام بالهامش.. أنت تحاول البحث عن تاريخ ليست له علاقة بتاريخ السلطة. أي أنك ضد التاريخ الرسمي، هل أنت تبحث في الهوامش؟ وهل تأثرك كان بميشيل فوكو ودريدا؟
يقول: هناك أكثر من مفكر طرقوا هذا المجال. أنا لم أخترعه ولكنه استهواني. حينما التحقت بإكسفورد للحصول علي درجة الدكتوراة لم تكن هناك مواد يمكن دراستها. كان الأمر يتلخص في علاقة مباشرة بالمشرف، وهو ينصحك بالاتجاه إلي المكتبات. في إكسفورد هناك عدد كبير من المكتبات. شكلها جميل ولكنها متعبة في البحث. كل مكتبة مستقلة عن الأخري. كانت ظروفي جيدة في هذا التوقيت، فقد كنت أملك موضوعاً ومشرفي جيد، كما أن والدي تكفل بمصاريف دراستي، أنا أشهد بذلك. ثم بدأت في حضور عدد كبير من المحاضرات منها سلسلة محاضرات عن “الحرب العالمية الأولي”، وبدأت في قراءة أدب الحرب العالمية الأولي، وبالأخص أشعارها، تحديداً الخاصة بانجلترا. كان هناك اهتمام بحكايات الجنود وبالقصص التي خلّفوها. الجنود الأميّون برغم أنهم لم يدوّنوا ما مرّوا به إلا أنهم تركوا شهادات ومذكرات وأشعاراً في ثنايا حكاياتهم.

ويضيف: من ناحية أخري كنت مهتماً بتاريخ المرأة والبغاء، وتاريخ الطاعون، وتاريخ الهوامش الاجتماعية في المدن. إنه تاريخ كبير ومهم. قرأت مثلاً كتاب “طقوس الموت بانجلترا في العصر الفيكتوري” وقرأت كتاباً يتناول تاريخ الفقر في أوروبا خلال العصور الوسطي. وهذا يعني أن الموضوع كما أقول ليس جديداً، ولكن هناك تخصصات، وكل شخص يكتب في تخصص معيّن. الأمر لا يقتصر فقط علي فوكو ودريدا، وهناك كتب قديمة مكتوبة بشكل كلاسيكي يمكن العودة إليها في الإطار ذاته.

حينما نتحدّث عن مشاكل التعليم فإننا نحصر كلامنا فقط حول المناهج. الأهم بالنسبة لي هو “المكتبات”. لا بد أن نحترم الكتب والسلاسل المتخصصة، ولا يوجد شيء في النهاية يمكنه تعويض المكتبة.
هل كان لديك وأنت صغير مكتبة خاصة؟ يجيب: “أنا تحديداً ضد هذه الفكرة. أنا أتحدث عن مكتبة عامة أو جامعية. لقد تأسست في مكتبة الجامعة، وكنت أعمل بها أثناء دراستي وبعد تخرجي، هذه المكتبات لها مفعول السحر. حينما تدخلها أنت شخص وحينما تخرج منها تكون شخصاً آخر. كنت أشاهد هذا علي الناس. كانت مهمتي في المكتبة أن أجلس إلي مكتب اسمه referance des .مهمتي الإجابة علي أسئلة واستفسارات القرّاء، نعم.. كانت وظيفتي البحث عن الإجابات. وطبعاً الأمور أصبحت أكثر سهولة الآن بالإنترنت.

ويضيف: في المكتبة يحدث التفاعل بينك وبين النص، إنها أشبه بالصومعة أو المحراب. كما أنك تشاهد الناس يجلسون بجوارك، يكون ثمة شيء سحري لا تدري كنهه ولكنك تعيشه. كنت أمكث بالمكتبة حتي التاسعة مساء. كنت أمينها يوم السبت تحديداً، وكنت شاهداً علي التغيّر الذي يطرأ علي روادها!

فهمي يري أن تاريخ القراءة مرتبط بالمكتبات، وهناك فارق كبير بين أن تقرأ في مكتبة عامة وتجلس إلي جوار آخرين وتناقشهم وأنت تدخن وتشرب الشاي فيما قرأته، وبين قراءتك في مكتبة خاصة منفرداً. مكتبتك تخاف عليها لأنك تمتلكها، وتشعر بأن المعلومة فيها تخصك وحدك. في المكتبة العامة تعرف أن هناك من قرأ الكتاب قبلك وهناك من سيقرأه بعدك. تعرف أنّ هذا الكتاب له تاريخ أنت جزء من منظومة قارئيه، وفي اللاوعي تبدأ في تشكيل نفسك، وهذا هو التأثير السحري للقراءة، أما الاعتقاد بأنك الوحيد الذي قرأ الكتاب فجزء من الجهل والغرور”.

وقال: “الغرض ليس بيع الكتب. الأموال التي تدفعها الدولة لدعم الأموال كان يمكن أن تحقق بها عائداً كبيراً لو أنها وزّعتها علي المكتبات. الأدب الكلاسيكي ازدهر بهذه الطريقة. كان الناس يقرأونه ولا يشترونه. كانوا يقرأونه ثم يعيدونه، كما أن الروايات كانت تصدر في ملازم.. كان الناس يستعيرونها ويعيدونها”!

يري فهمي أنّ مؤسسات الثقافة المسئولة عن نشر الكتاب تحولت إلي مخازن للكتب: “لا بد أن تغيّر هذه المؤسسات مفاهيمها وتسعي للتواصل مع الجمهور”!

يطرح صاحب “كل رجال الباشا” وجهة نظره في الضجة التي حدثت بعد سرقة لوحة فان جوخ “زهرة الخشخاش”. يقول إن الصحافة تتحمل جانباً كبيراً من الأزمة، فقد تناولت الأمر بمنطق الكنز الذي ضاع من المتحف: “والسؤال: اللوحة كانت موجودة.. فما الذي فعلتوه بها؟ في كل الهوجة التي حدثت حول متحف محمود خليل كان خالد منتصر الوحيد الذي قال شيئاً إيجابياً في مقال تحدّث فيه عن فان جوخ وعبقريته، وأنا أري أن الكارثة ليست في سرقة اللوحة، ولكن في عدد زوار المتحف يومها، 11 شخصا فقط زاروا المتحف، وجميعهم من الأجانب.

وأين الخطأ؟

لابد من تغيير المنطق الذي يحكم مؤسسات الثقافة في مصر سواء أكانت متاحف أو مكتبات من كونها مستودعات للكتب وللفن إلي أماكن للتواصل مع الجمهور. متاحفنا الأربعة الكبري ( الفرعوني والإسلامي والروماني والقبطي) فكرتها أقرب إلي القرن التاسع عشر، فكرتها تلقينية، كأن التاريخ المصري مقسم لهذه الحقب، تماما مثل مناهج المدرسة. المتاحف في العالم لم تعد تلقينية، بل يحدث فيها نوع من التفاعل مع الجمهور .

هل المشكلة في نقص الخيال؟

يجيب:” المشكلة أنه ينبغي علي من يدير المتحف أن يكون خبيرا، ومن يمتلك القدرة علي محاسبة المدير هو مجلس من الخبراء يضم مجموعة من المثقفين، يجتمعون ويناقشون الميزانية ويحددونها ..ويحاسبون المسئول . الحساب لا يكون علي فكرة الربح والخسارة وإنما علي عدد الزوار. كم شخصا زار المتحف. ليس لدينا هذا في مصر. يتحدث خالد عن اوبرا الميتروبوليتان التي نقلت عروضها إلي الشارع، عن طريق نقل هذه العروض إلي السينما، ونقلها مجانا للعالم، حتي لو أدي ذلك إلي خسارة مادية. يضحك: ” لا يطلبون منك وانت تدخل لمشاهدة أوبرا فاجنر ان تكون مرتديا رابطة عنق أنيقة وكأن الأوبرا فن ليس للجمهور وإنما لنخبة المجتمع…كما يحدث عندنا. يقول خالد: ” شاهدت العام الماضي 20 أوبرا، كلها بملابس الجينز، ولعلك تلاحظ أن فاجنر الذي يعتبر أرقي من قدم أوبرا كان ثوريا وضد التقاليد والأنماط ويريد ان يصل بفنه لكل الناس”.

يحكي خالد حكاية تلميذه الذي درس الهندسة وقرر أن يسافر إلي نيويورك ليحضر رسالة دكتورة واختار موضوعها ” العمارة الناصرية “.. عندما ذهب هذا التلميذ إلي متحف ضريح سعد سأله الموظفون لماذا تأتي؟ ماذا تدرس؟ ما علاقة الهندسة بالمتحف؟ بخلاف التفتيش الذاتي .امر يجعلك تهرب أساسا من زيارة أي متحف في مصر. يعلق خالد ” أنا كمصري عندما أذهب لزيارة أي متحف في مصر أشعر بإهانة مما يجري..وبدلا من أن يفاخر الوزير بعدد المتاحف التي أنشاها كان ينبغي أن يسأل: وماذا فعلنا بهذه المتاحف؟”

-3-

دراسات خالد فهمي ” طلقات” موجهة إلي قلب الروايات الرسمية للتاريخ. التاريخ بالنسبة له هو تاريخ البشر العاديين، الأفراد العاديين ومعاناتهم التي صمت عنها الخطاب التقليدي. يستكمل خالد مشروعه التحليلي الذي بدأه في كتابيه ” كل رجال الباشا”، و” الجسد والحداثة”..مشروعه الجديد عن الطب والقانون باعتبارهما ” أكثر ممارستين شهدا أكبر عملية تحديث في القرن التاسع عشر، إذ نحن أمام طب جديد وقانون جديد في تلك الفترة”. الطب والقانون يتقاطعان في مناطق شائكة أهما : الطب الشرعي والتعذيب. وهما الممارستان اللتان يعمل عليهما الآن. يوضح خالد: المؤرخون الذين اهتموا بموضوع التنوير والنهضة والردة أو بسؤال ” الوافد والموروث ( حسب تعبير طارق البشري) تعاملوا مع الموضوع باعتباره ” تاريخ فكر”.. وأن أسباب فشل مشروع التنوير جاء لأسباب عديدة يذكرها هؤلاء.. ” إما لأن مثقفي التنوير حدثت لهم ردة، أو بسبب التأثير الوهابي الخليجي، أو بسبب عملية التغريب، أو حتي بسبب تقاعس دور الدولة..كل هذه التفسيرات لها وجاهتها ولكن أجد هذا الكلام لايزال نخبويا “. يوصل خالد حديثه: ” أريد أن أعرف إلي أي درجة كان لهذا المشروع صدي لدي الناس العادية؟ هل صحيح ما يقوله الإسلاميون أن كل كلام النخبة مجرد “بقعة زيت علي ماء” حسب تعبير صافيناز كاظم؟ أم أن لمشروع التنوير والنهضة ” صدي” لدي الناس العادية؟ هذا هو سؤالي الذي احاول أن أجيب عنه”.

لم يناقش خالد ” فكرة” وإنما ” ممارسة” تعكس حياة الناس، وعبر هذه الممارسة يحاول قياس مدي إقبال الناس عليها. الممارسة الأولي التي استند إليها لكي يثبت فكرته : الطب الشرعي. يقول :” كان ممارسة جديدة، تمارسها الدولة والسلطة، وطبيعي أن يرفضها المجتمع، خاصة أنه منذ أن قتل “هابيل” “قابيل” وهناك ” حرمة للموتي”، وكان من الصعب أن يتقبل الأفراد فكرة التشريح في كل العالم، إذ أن إكرام الميت دفنه، فما بالك إذا كانت الدولة تقوم بذلك باسم التنوير والنهضة؟”.

أساله: هل قاوم الأهالي التشريح؟

يجيب: من واقع السجلات ما حدث علي أرض الواقع مختلف، تحكمه آليات أخري، الناس لا تتعامل مع الموضوع ولا يفرّقون إن كان هذا وافداً أم موروثا؟ المريض عندما يذهب إلي المستشفي يطلب علاجا ولا يهمه هل العلاج طب نبوي أم طب إكلينيكي ثم يأتي التنظير بعد ذلك، وهذا ما حدث عندما دخل الطب الشرعي مصر.. حيث وجد فيه الناس وسيلة للحصول علي حقوقهم فأقبلوا عليه”. لم تكن هناك مقاومة؟ يجيب:” حدث ما يحدث الآن بالضبط. مثلاً هناك أم مات ابنها، ولم تكن تري، كان عمرها 35 عاما، طلبت أن يتم تشريح ابنها حتي تثبت أنه مات غيلة، هي كانت تعرف طريقة موته، ومتأكدة منه، وتعرف أن الحاكم متواطئ، كان الحل الوحيد أن تأتي بتقرير من الطب الشرعي يثبت أن الميتة لم تكن طبيعية، ومات لأن رجال البوليس ركلوه بأرجلهم وحدث بالفعل ذلك. الواقعة تتكرر منذ القرن التاسع عشر. وهذا ما جري الآن في موضوع خالد سعيد، ولذا فكرت أن أرسل إلي والدته رسالة أطلب منها ألا تتنازل عن حقها، وهناك من هم قبلك حدث لهم الأمر ذاته وحصلوا علي حقوقهم”. يضيف خالد فهمي:” وهناك قصة مشهورة بطلها ” بك” في دائرة إلهامي باشا ابن شقيق الخديوي، حدثت عام 1858 في العباسية التي كانت وقتها مجرد صحراء، هرب عبد أسود لديه ونزل إلي القاهرة لثلاثة أيام، وعندما عاد قام ناظر الاسطبل ” البك” بتعذيبه، وجلده 1500 جلدة أدت إلي وفاته، زملاء العبد تحفظوا علي الجثة ورفضوا أن يقوم الحانوتية بدفنها، وهرب من الدائرة 27 عبداً ذهبوا إلي مديرية الأمن، وطلبوا من حكيم باشي المديرية أن يأتي بنفسه وبالفعل جاء ووقعوا الكشف الطبي الذي أكّد أن وفاة زميلهم جاءت “نتيجة ضرب أفضي إلي الموت” وتم نفي البك.. تخيل هذا حدث قبل وجود منظمات حقوق الإنسان، وفي عقر دار الدولة أو العائلة المالكة “. ويوضّح خالد:” الكلام عن الموروث والوافد مجرد كلام نظري، لم يكن يهم المواطن ما إذا كان الطب الشرعي موروثا أو وافدا، كان يعنيهم فقط حصولهم علي حقوقهم.. لدي أكثر من واقعة تثبت فكرتي وهذا ما أعمل عليه الآن”.

كيف تقرأ التاريخ؟

 المقدمة التي كتبها عميد الأدب العربي طه حسين لكتاب “فصول مختارة من كتب التاريخ”

المقرر علي الفرقة الثالثة ثانوي عام 1954

نشر في أخبار الأدب يوم 30 – 10 – 2010

يعرض عليك أستاذك في درس التاريخ حادثة من حوادث الماضي القريب أو البعيد، فتستقر من هذه ا لحادثة صورة في نفسك تألفها وتطمئن إليها، ثم تقرأ كتاباً من كتب التاريخ فتري صورة لهذه الحادثة نفسها مخالفة للصورة التي عرضها عليك الأستاذ، فيأخذك شيء من الحيرة بين ماسمعت وماقرأت ، لهذا الاختلاف بين صورتين لحادثة واحدة معينة.، وقد تقرأ كتابا آخر فتري فيه للحادث نفسها صورة ثالثة تخالف مخالفة قليلة أو كثيرة للصورتين التي سمعت إحداهما وقرأت إحداهما الأخري في ذلك الكتاب. فتشتد حيرتك وتوشك أن تدفع إلي الشك في قيمة التاريخ نفسه وأن تسأل نفسك كيف السبيل إلي تعرف الحق الواضح فيما يتصل بالأحداث التي بعد العهد بينك وبينها في الزمان ، وفي المكان غالباً..

ذلك لأنك ألفت نوعاً من الحقائق لايختلف علمك به حين تسمعه من أساتذتك، وحين تقرؤه في الكتب المختلفة مهما تكثر، وهي حقائق العلم الذي يعتمد علي التجربة والمشاهدة. فالقوانين الطبيعية التي تعرض عليك في المدرسة هي بعينها التي تقرؤها في الكتب، فليس لك بد إذن من أن تفرق بين نوعين من أنواع المعرفة ، أحدهما يأتي من المشاهدة المباشرة ويتأكد بالتجربة المتكررة. والآخر يأتي من طريق النقل والرواية، ولاسبيل إلي ان تكرره او تخضعه للتجربة ، لانك لاتستطيع ان تعيد الماضي، ولاتستطيع أن ترجع بالزمن أدراجه لتري الأحداث القديمة حين تحدث ، وتشهدها من كثب، وتأخذ منها في نفسك صورة دقيقة مطابقة للواقع من أمرها أشد المطابقة، وأبعدها عن الشك ، وأقلها تعرضا للاختلاف.

والتاريخ نوع من هذه المعرفة التي لاتستطيع ان تتلقاها من أصولها مباشرة، وانما تتلقاها من طريق النقل والرواية المتصلة.

ومعني هذا ان علمك بأحداث التاريخ لايتأتي لك إلا بعد ان يمر بعقول أخري غير عقلك، وعصور أخري غير عصرك،وظروف أخري غير الظروف التي تحيط بك.

فليس له بد من أن يتعرض للتأثر القليل أو الكثير بهذه العقول، والعصور، والظروف، فالحادثة التي تحدث منذ قرون طوال ثم يسجلها المؤرخون إثر وقوعها، ثم يأخذها عن هؤلاء المؤرخين جيل آخر من كتاب التاريخ ، ثم تتناقلها الأجيال وتصورها في الكتاب، لا تصل إليك خالصة من كل شائبة، مبرأة من كل أثر لهؤلاء من الذين تناقلوها، وللظروف التي أحاطت بهم حين تناقلوها، ولحظوظهم المختلفة من الدقة في النقل ، والصدق في الرواية، ومن حسن الفهم، وصواب الحكم، وبراعة التصوير والتعبير.

وهي إذن لاتصل إليك كما وقعت، ولاتصل إليك وحدها، وانما يصل إليك معها، شيء آخر أضافة إليها الذين نقلوها إليك عن ذات نفوسهم، ومن طبيعة أمزجتهم، يفعلون ذلك عن عمد أحياناً، ويضطرون إليه اضطراراً أحياناً أخري. فالتاريخ إذن لايصور الأحداث الماضية تصويراً مجرداً، وإنما يصورها تصويراً فيه كثير من الإضافة، وفيه كثير من التعقيد.

والتاريخ من هذه الناحية يوشك ان يكون لوناً من ألوان الأدب، لانه لا يعطيك حقائق الواقع كما هي، وإنما يعطيك هذه الحقائق ومعها شيء قليل أو كثير من أمزجة المؤرخين. ومن هنا ننظر إلي التاريخ نظرتين مختلفتين: إحداهما تفرض كثيرا من الاحتياط، وتضطر القارئ إلي الجهد والبحث والتحري، ليصل إلي ما يرجح أنه الحق، والاخري تثير كثيراً من المتعة الفنية، لمكان هذا العنصر الأدبي يصور نفوس المؤرخين وعقولهم، وميولهم وأهواءهم وأمزجتهم، والظروف الكثيرة التي تحيط بهم حين يكتبون التاريخ.

فأنت إذن تقرأ التاريخ لتلتمس فيه العلم بالحقائق التي لاتستطيع ان تشهدها، لأن زمانها قد انقضي، وتقرؤه لتلتمس فيه المتاع الأدبي الذي تلتمسه فيما تقرأ من النصوص الأدبية الخالصة.
من أجل هذا كان من الخير، كل الخير، أن تعرض عليك في هذا الطور من أطوار الدرس نصوصا تاريخية مختلفة باختلاف المؤرخين وعصورهم، وبيئاتهم، وظروفهم، لتقرأها مستمتعا بها أولاً، وموازنا بينها ثانيا، ومحققاً في نفسك بعد ذلك ما يكون بينها من التفاوت في تصور كتابها للأحداث، وفي تصويرهم لها، وفي ادائهم لما يرسمون من الصور. وأنت واجد في هذا كله تثقيفا لنفسك، وتغذية لعقلك، وتنمية لذوقك ، ومرانا بعد هذا كله علي استخراج حقائق التاريخ من مصادره المختلفة المتابينة أشد الاختلاف، وأعظم التباين.

والتاريخ الإسلامي جزء خطير من تراثك القديم، يجب عليك أن تحسن العلم به، وأن تعرف الأطوار التي اختلفت عليه، وان تري كيف كان المؤرخون يروون الأحداث أول الأمر عن الذين شهدوا أو شاركوا فيها. ثم كيف كانت أجيال أخري تأتي بعد اولئك فتقرأ رواياتهم وتحاول الموازنة بينها، واستخراج الحق منها، وكيف تتابع ذلك تتابع العصور، حتي كان العصر الذي تعيش فيه، وأخذ كتاب من المعاصرين يصورون لك الأحداث البعيدة تصويراً يلائم عقلك الحديث، ويلائم مايحيط بك من ظروف الحياة المعاصرة التي تحياها.

وأنت حين تقرأ هذه النصوص ستلاحظ الأطوار المختلفة التي تتابعت علي هذا الجزء من تراثك القديم، كما تتابعت علي غيره من الاجزاء المختلفة من الأدب والعلم والفلسفة، وستري كيف كان التاريخ ساذجاً أول امره حين كان أصحابه يعتمدون علي الرواية مشافهة ، يلقيها بعضهم الي بعض في الأندية ومجالس الدروس، فيفكر فيه ويختار منه، فيأخذ بعضه ويترك بعضه الآخر، ويسجل منه مايستقيم له، ويدع منه مالا يستقيم ، مثبتا مما يأخذ بمقدار ما كان علمه يتيح له التثبت، متأثراً في هذا كله بظروفه السياسية، وميوله الدينية، وأهوائه المذهبية، وطاقته العقلية. وكيف أصبح التاريخ في وقت من الأوقات موضوعاً للنظر الفلسفي عند مؤرخ كابن خلدون يحاول ان يستخرج منه نظريات عامة تصور الحياة الاجتماعية للناس، مهما تختلف عصورهم، وبيئتهم. ثم كيف ضعف أمر التاريخ فأصبح نقلاً من الكتب يأخذه بعض المؤرخين عن كتب بعض، مقلدين لا مجتهدين ولا مجددين. ثم كيف تغيرت نظرة المعاصرين للتاريخ فأخذوا يقيسونه بمقاييس العصر الحديث ويحكمون العقل ومناهج البحث فيما نقل إليهم منه، فيثبتون ما يلائم هذه المقاييس الحديثة، وينفون مالا يلائمها، ويفهمون من أجل ذلك حياة الجماعات القديمة فهما أدق وأصدق من فهم القدماء لها. إذ اتيح لهم من العلم ومناهج البحث مالم يتح للقدماء ، فكان فهمهم أدق، وحكمهم أصدق، وتصويرهم أدني إلي الحق.

وأنت لاتلاحظ هذا التطور في حقائق التاريخ وحدها، وإنما تلاحظه أيضاً في الصور التي يعرض المؤرخون فيها هذه الحقائق، فعبارات المؤرخين وأساليبهم رائقة رائعة في العصور الأولي،حين كان الأدب العربي غضا قوياً، خالصاً من شوائب العجمة، وهي بعد ذلك معرضة للضعف والتعقيد والاضطراب: تسعي إليها وتشيع فيها قليلاً قليلاً، حتي اذا بلغ الضعف أقصاه، كتب التاريخ بلغة عامة أو قريبة من العامية. ثم ينهض الأدب في العصر الحديث فينهض معه التاريخ في معانيه وألفاظه وأساليبه جميعا.

فهذه النصوص التي تعرض عليك في أجزاء هذا الكتاب لاتثقفك في التاريخ وحده، وإنما تضيف الي هذا التثقيف شيئاً آخر له خطره ونفعه، فتعطيك صورة واضحة أشد الوضوح لتطور الحياة العربية في عصورها المختلفة من الناحيتين العقلية والأدبية جميعاً.

وعسي أن يكون في نفسك استعداد للتخصص في دراسة التاريخ يوما ما، فهذه لنصوص تهيئك تهيئة صالحة لهذا التخصص بما تعرض عليك من تعدد الصور المختلفة لحقائق التاريخ، والبحث عنها، والتثبت منها، والتأدية لها. وتعلمك آخر الأمر كيف توازن بين هذه الصور، وكيف تختار منها ما يستقيم لك، وترفض ما لايستقيم، وكيف تسيغ ما اخترت وتتمثله، ثم كيف تخرجه لقرائك في صورته الجديدة التي ترضاها ، وتطمئن إليها، وتريدهم علي أن يرضوها ويطمئنوا إليها.

وقد يكون في نفسك استعداد للتخصص في الأدب، فهذه النصوص تهيئك تهيئة صالحة لهذا التخصص ايضاً، لأنها تعرض عليك صورا منها الرائع البارع، ومنها المتوسط الذي يساغ، ومنها الضعيف الذي تضيق به النفس، وكل هذا يتيح لك التفرقة في عقلك وذوقك بين الجيد والردئ، ويعلمك التأتي للفن والبراعة فيه.

وقد تكون من طلاب الثقافة والمعرفة وحدهما، لتريد أن تتخصص في أدب أو تاريخ، فهذه النصوص تغطيك ثقافة ومعرفة، وتغريك بالاستزادة منهما،وعسي أن يروقك نص منها أو غير نص فتجد الميل إلي أن تقرأ منها أكثر مما عرض عليك، فترجع إلي الأصول التي اخترنا لك منها هذا النص، أو ذاك، وتحقق بقراءة هذه الأصول ماشئت من الثقافة والمعرفة.

وستري في هذا الكتاب نصوصاً اختيرت لك لا لأنها تصور التاريخ الذي يستحق أن يطلق عليه هذا الاسم، بل لانها تصور الأصل الأول الذي نشأ عنه التاريخ حين بلغ العقل العربي أشده، واستطاع أن يفرق بين الحق الواقع والصور التي يبتكرها الوهم والخيال، حين يكون الناس في طور السذاجة الأولي، يصدقون في يسر مايلقي إليهم من الأنباء الرائعة التي تملؤها الغرائب والأعاجيب ثم لايصدقونها فحسب، ولكنهم يكلفون بها ويتهافتون عليها، ويستبقون إلي حفظها ونقلها، وتورثها الأجيال للأجيال مضيفة إليها متزيدة فيها. حتي إذا بلغ العقل طور التدبر، وتمييز مايقبل مما لايقبل، وشاعت الكتابة بين الناس، واتخذت أداة لتدوين العلم والمعرفة، نشأ التاريخ الذي يمكن الاطمئنان إليه، وظلت عقول بعض الناس علي ذلك محتفظة بطور الطفولة، مصدقة لكل مايروي، مطمئنة إلي كل ما تحدث به القدماء، فاختلط الحق بالباطل في بعض كتب المؤرخين، واحتاج القراء إلي أن يحتاطوا أشد الاحتياط حين يقرؤون، حتي لايختلط عليهم الخطأ بالصواب، وحتي لاتخدعهم روعة الأساطير عن بساطة الحقائق ويسرها.

فلو لم يكن عرض هذه النصوص عليك إلا انها تعلمك الحذر، وتنبهك إلي وجوب الحيطة، وتأخذك بأن تصحب عقلك دائماً في قراءة كل ماتقرأ حتي لاتؤخذ علي غرة، وحتي لايلقي في روعك مالاينبغي ان يستقر فيه، وحتي يلقي إليك الخبر القديم فلا تكاد تقرؤه حتي تتبين انه يصور حقيقة من الحقائق، أو أسطورة من الأساطير.
لو لم يكن في هذه النصوص إلا هذا، لكانت خليقة أن تغريك بقراءتها مشغوفاً بها، مقبلاً عليه أشد الاقبال.

فخذ إذن هذا الكتاب وأمثاله علي أنها رفاق لك تستريح إليها حين يبلغ منك الجهد، وتأنس إليها حين يتاح لك الفراغ، فستجد فيها الصديق الذي يرضيك دائماً، ولايؤذيك ابداً.