يوم التاريخ الشفهي

السبت 24  يناير 2015

تدوين: أحمد الجيزى 

حماس كبير بدأ بيه اليوم و بعد يوم أكاديمي في غاية الأهمية من د زينب أبو المجد جه يوم الحكي و التاريخ الشفهي اليوم اللي موضوعه كان سبب إن كتيير يسعى يحضر الورشة كلها J

اليوم إنقسم لمرحلتين الأولى محاضرة ل د عليا مسلم عن مصادر التاريخ و كيفية إدارة مقابلات التاريخ الشفهي
و كان الجزء الثاني تطبيقا عمليا من خلال زيارة لقرى النوبة المهجرة في كوم أمبو و حديث مع أهلها
أما عن المحاضرة
فبدأت بعرض مشاهد من فيلم تسجيلي عن مظاهرات عام 1951 في القاهرة و الإسكندرية داعمة للفدائيين في منطقة القناة و حربهم ضد الإحتلال البريطاني و المسيرات شهدت مشاركة رجال دين و طلبة و بعض الجاليات الاجنبية من الموجودين في مصر مثل ( الباكستانية و السعودية و اليونانية ) و هتافات و لافتات مثل ” اخرجوا من بلادنا “و قبل ما ننبهر بالنظام و السلمية الموجود عليها المظاهرات بادرتنا د عليا بذكر إن مش كل المظاهرات كانت على هذا الحال و شهدت كتير منها أحداث عنف و إشتباكات .
و تطرح د عليا سؤال عن ” مين كتب الأغاني ” و ” مين غنى الأغاني ” هنا الكلام عن أغاني الأهالي في البيوت و الشوارع أغاني من تأليف الأهالي و حافظينها و بيغنوها في إحتفالاتهم أو احزانهم و السؤال هل فعلا الأغاني اللي موجودة حاليا هى سردية الأهالي لأحداث عاصروها و بقت مع الزمن أم تم تعديلها و هل تأثرت تلك الأغاني بسردية الدولة الرسمية عن التاريخ أم حكت سردية الأهالي و ما شاهدوه و عاصروه  بمنظورهم عنها و ننتقل لفرضية ” جرامشي ” عن ”    ” common sense و إن أحيانا سردية الدولة تصبح هى نفسها شعور عام يأثر على سردية الأهالي و تتحول سرديتهم لسردية الدولة نفسها و تتطابق معها لدرجة إن مثلا أغاني لعبد الحليم حافظ عن مشروع السد العالي و ما تمثله من رؤية الدولة الرسمية وقتها ترجمت للنوبية و غناها أهلها.
الروايات الرسمية بتختلف أحيانا بشكل كبير عن روايات الأهالي المعاصرين لكن أبعد من ذلك أهالي مدن لديهم سردية و مشاهد خاصة بهم عن الحروب مختلفة تماما عن سردية الدولة الرسمية أو الصورة العامة للذهنية الموجودة عند باقي أهالي الدولة مثال على ذلك مشهد الجنود المصريين العائدين من سيناء منكسي الرؤوس عقب نكسة 67 يراه عموم المصريين رمزا للهزيمة و النكسة في حين يمجد أهالي السويس هؤلاء الجنود و يصفونهم بالأبطال لنجاحهم في الهروب من القتل أو الأسر و العودة سالمين من سيناء و يشهد على ذلك أغنية “الفاتحة للعسكري” و اللي إتغنت خصيصا دعما لهؤلاء الجنود..
مرينا في المحاضرة على أمثلة لأغاني المقاومة الشعبية في السويس في حرب أكتوبر و كمان ” الإلمبي” الحدث الشعبي السنوي اللي بيقام في بورسعيد و حرق الدمية اللي بترمز للإستعمار و عرفنا الذاكرة الشعبية .
سمعنا أغنية ” زي النهارده من 50 سنة ” اللي غنتها السمسمية البورسعيدية في ذكرى مرور 50 سنة على تأميم قناة السويس و شوفنا تطابق الأغنية مع سردية الدولة التاريخية للحدث و التمجيد في ناصر و عرفنا إن لحن الأغنية نفسه كان أساسا من أغنية عملها الأهالي لبطل مصري بيحارب في العراق إسمه لطفي البربري و إتحولت لزي النهارده.
شوفنا كمان كيف تصنع الدولة مجدها و مجد حكامها بتسليط الضوء على حكايات بعينها من حكايات المقاومة الشعبية و تضخيمها و تهميش البقية كون هذة الأحداث إرتبطت بشكل مباشر برموز الدولة و قادتها مثل زينب الكفراوي و محمد مهران من المقاومة الشعبية في بورسعيد 56 ..
إنتقلنا للجنوب و مراحل تهجير أهالي النوبة بداية من تهجير خزان أسوان و نهاية بالتهجير الأكبر لبناء السد العالي في عام 1963و عرفنا كيف نجحت الدولة في إقناع النوبيين بأفضلية التهجير لهم حيث الإنتقال للمدنية الحديثة و الكهرباء و صدمة الأهالي بعد ذلك و معاناتهم الشديدة في كوم أمبو و ندمهم على التهجير و ترك بلادهم و بنشوف ده في أغاني كتير سواء حزينة للتهجير و فقدان بلدهم ” قالوا كوم أمبو الجنة الخضراء .. روحنا لقينا جهنم حمراء ” أو بتهاجم السد العالي و بناءه مثل واحنيناه بالنوبية الفاجيكية .

إتكلمنا أكثر عن عملية بناء السد العالي نفسه ووصف الدولة الرسمي للعمال ببناه السد كتعظيم ليهم وإنهم مش مجرد عمال و إنه كان شئ مؤقت و بنهاية بناء السد إتنسى الوصف عرفنا حكاية ” المرحوم كان غلطان” العبارة اللي كانت بتكتب على نعوش ضحايا العمل في بناء السد العالي حتى لا يطالب أهله بتعويض!

قبل ما ننتقل للجزء الثاني من اليوم عرفنا مجموعة من النصائح عن كيفية إدارة مقابلات التاريخ الشفهي مثل الإنصات الجيد و تحديد الأسئلة مسبقا و أهمية فترات الصمت و عدم قطعها و إحترام خصوصية الحكاء و أخذ موافقة شفهية أو كتابية بالموافقة على التسجيل و أخذ المعلومة الواحدة من أكثر من شخص لتأكيد تطابق الرواية و من ثم صحة المعلومة ..

تركنا جزيرة سهيل النوبية عبرنا النيل و ركبنا العربيات باتجاه قرية عنيبة في صحراء كوم أمبو و إتحولت كلمات التاريخ اللي سمعناه في المحاضرة لمشاهد و أصوات و صور حقيقية شوفناها في الواقع فإنتقلنا من مشهد النيل الساحر و الخضرة حوله المشهد اللي طالما بكى أهل قرى النوبة المهجره مثل عنيبة على فراقه إلى مشهد بعيد تماما عن النيل و طقس صحراوي و درجة حرارة عالية عندما وصلنا لعنيبة الجديدة في صحراء كوم أمبو ..

إستقبلنا الأهالي هناك بترحاب شديد و دعونا للغذاء معهم على مائدة طويلة من الطعام مرتبة بنظام شديد ملفت يعبر عن كون النظام و الترتيب و النظافة سمة أساسية لأهل النوبة و كلمنا عم محمود عن النوبة و السد العالي و التهجير بشكل عام قبل ما نتفسم لثلاث مجموعات كل مجموعة تقوم بعمل مقابلة تاريخ شفهي مع أحد أهالي النوبة مجموعة كانت مع عم محمود و مجموعة مع أ سليمان و مجموعة أخيرة مع نساء من أهل النوبة حدثونا جميعا عن مشروعهم الجديد ببناء مركز للتراث النوبي لتوعية أطفال النوبة ممن لم يعاصروا التهجير أو يشوفوا النوبة القديمة بتاريخ النوبيين و عاداتهم و تقاليدهم و إن يكون مركز التراث نفسه مقاما على الطراز النوبي بدون أي تحريف أو تغيير و إن الطراز المعماري الدارج حاليا وصفه بإنه نوبي به أخطاء كثيرة و إن المتحف النوبي نفسه اللي أقامته الدولة في أسوان أيضا به أخطاء لذا فإن مركز التراث سيكون شئ ضروري جدا لأهالي النوبة أنفسهم و كل المهتمين بالنوبة و الراغبين في التعرف على ثقافتها و حضارتها ..
كل مجموعة سألت كل شخص عن إزاي عاصر فترة التهجير و آثارها على المستوى الشخصي و الإجتماعي و الإقتصادي و كل نواحي الحياة تقريبا و أشكال معاناتهم المختلفة و كمان عن رغبتهم المستمرة في العودة و مفاوضاتهم مع الدولة على مدار الأزمنة المختلفة كلمونا عن طباعهم و عاداتهم و تقاليدهم بالتفصيل و كانوا متحمسين جدا و كنا نحن سعداء و سجلت كل مجموعة جلستها كاملة ..
عدنا لأسوان و من بعدها لجزيرة سهيل ..إنتهى اليوم لكن الحماس مستمر من كل المجموعات عشان تلخص مقابلتها و تعرض على المجموعات الأخرى تجربتها و نتبادل الإستفادة صباح الغد إن شاء الله

صور